حذر أكاديميون من الأدوار التي تلعبها قنوات التواصل الاجتماعي في نشر الشائعات وخلق “البلبلة” في المجتمع، وأنها تمارس دورا “مخيفاً” لزعزعة الثقة بين المواطن والأجهزة الحكومية، مطالبين المؤسسات الحكومية والأهلية بالتخلص من ضعف حضورها عبر هذه المنصات الحيوية والجديدة وأكد المشاركون في الندوة التي نظمها ملتقى إعلاميي الرياض “إعلاميون” يوم الثلاثاء الماضي الموافق 3/5/1438هـ بالتعاون مع الجامعة العربية المفتوحة بالرياض تحت عنوان: (تعزيز الإعلام لمفهوم “المواطن رجل الأمن الأول”)، أن هناك حلقة مفقودة بين الأجهزة الحكومية والأهلية ووسائل الإعلام في التصدي للشائعات والمشاركة الفاعلة فيما تنتجه قنوات التواصل الاجتماعي وتوظيف التغيرات الحديثة في بيئة الاتصال لصالح الوطن والمجتمع وتحدث في الندوة كل من: الأستاذ الدكتور محمد الزكري مدير الجامعة العربية المفتوحة في المملكة العربية السعودية والدكتور عبد الرحمن العتيبي أستاذ الاستراتيجية الإعلامية وعميد كلية اللغات والترجمة في جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية ورئيس قسم الإعلام في جامعة الملك سعود سابقاً، والدكتور سمحان الدوسري مساعد مدير إدارة الجودة العلمية والتطوير في مركز أبحاث مكافحة الجريمة في وزارة الداخلية والدكتور محمد السيد نائب مدير أكاديمية الحوار الوطني في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، فيما أدار الندوة الأستاذ صالح المرزوق عضو ملتقى “إعلاميون” ومدير عام إذاعة الرياض سابقاً.
وفي البداية، قال المتحدث الأول الأستاذ الدكتور محمد الزكري مدير الجامعة العربية المفتوحة في المملكة العربية السعودية: إن أمننا يحتاج خطط وبرامج عملية لتعزيز الأمن ومساندة جهود المؤسسات الحكومية الكبيرة في هذا الموضوع الحيوي، مطالباً المؤسسات التعليمية بأدوار تكاملية مع وسائل الإعلام لخدمة المجتمع عموماً، وفي جانب الأمن خصوصا. وأتهم الزكري المؤسسات التعليمية بأنها مقصرة بدورها الحيوي في تعزيز دور المواطن في الأمن، وأنه يجب أن يكون لديها استراتيجيات عملية لذلك واعتبر الزكري وزارة الداخلية هي الجهة المركزية والإستراتيجية لذلك لا بد أن يكون لديها المحتوى الذي يساعد المواطن على القيام برسالته من خلال قنوات التواصل الاجتماعي التي سيطرت على مصادر معلومات الفرد. وأستطرد مدير الجامعة العربية المفتوحة في السعودية “نحتاج جهة تعلق الجرس في الإعلام الأمني”، مرشحاً جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية لتقوم بهذا الدور الريادي في هذا الجانب الوطني. وأضاف بأنه “بالإمكان المساهمة بفاعلية في تشكيل محتوى وسائل التواصل الاجتماعي، وذلك من جهات تخطط وجهات تنشر أو تقوم بالدور الإعلامي”.
من جانبه، دافع الدكتور عبدالرحمن العتيبي أستاذ الإستراتيجية الإعلامية عن وسائل الإعلام وأنها ليست المعنية بمهمة التوعية وقطع الطريق على الشائعات التي تبثها قنوات التواصل الاجتماعي، مطالباً مؤسسات المجتمع الحكومية والأهلية ومنها الجامعات بمدها بالمعلومات لكي تُحظِّر المواطنين لتجسيد مفهوم المواطن رجل الأمن الأول وأضاف “على الجهات الأمنية العمل باستمرار على تعزيز الوعي بدور المواطن في الأمن، وتبقى وسائل الإعلام أدوات، وأن وزارة الداخلية على سبيل المثال تحتاج جيش من الإعلاميين لخلق موازنة في سوق الرسائل الإعلامية في حياة المجتمع والحد من الرسائل السلبية الضخمة، وأنه هذا الأمر متاحا عندما تجهز المواطن ليكون إعلاميا إيجابيا” وشدد الدكتور العتيبي على أن قنوات التواصل الاجتماعي وضعت القوة في يد المواطن، وهدمت نظرية حارس البوابة الشهيرة في الإعلام، معتبرا بعض الحملات التوعوية وقتية وليس لها ديمومة تسهم في تحقيق الهدف الاستراتيجي للتوعية وتحقيق أهدافها عبر الأجيال وأعتبر أستاذ الاستراتيجية الإعلامية، بأن الإعلام لدينا ليس ضعيفا كما ينظر له من بعض الجهات الحكومية أو حتى المتخصصين، محملا المسؤولية على من يستخدم هذه الوسائل في كيفية استخدامها. وطالب بتوظيف وسائل الإعلام التقليدية والحديثة التوظيف الحقيقي الذي يثمر عن تحقيق الأمن للمجتمع ومشاركة المواطن في حيثيات تحقيقه.
على الطرف الأخر، أكد الدكتور سمحان الدوسري مساعد مدير إدارة الجودة العلمية والتطوير في مركز أبحاث مكافحة الجريمة في وزارة الداخلية، أن الأجهزة الأمنية لا يمكن أن تقوم بمفردها بتوعية المجتمع وتعزيز مشاركته الأساسية في تحقيق الأمن، موضحاً بأن للمؤسسات الإعلامية دور كبير وهام في رفع المستوى الأمني لدي أفراد المجتمع لأنهم شركاء مؤثرين. وشدد على أن مفهوم الوقاية الاستباقية، هو أن المواطن يبادر قبل وقوع الجريمة وبذلك تتكامل جهود المواطن مع رجل الأمن، وأن المؤسسات المجتمعية الأخرى (الأسرة والمدرسة والمسجد) والوسائل الإعلامية هي مكملة لأدوار الأجهزة الحكومية في تحقيق الأمن وكشف الدكتور الدوسري بأن المنظمات الإرهابية وعلى رأسها داعش تستخدم قنوات التواصل الاجتماعية للتأثير في النشء وتجنيد صغار السن، مشيراً إلى أن وزارة الداخلية أطلقت مبادرة الشفافية التي تعزز الجوانب الأمنية وتحقق ما أسسه الأمير نايف بن عبدالعزيز بأن “المواطن رجل الأمن الأول. وذكر بأن عدسة مواطن هي من سجلت المشهد البطولي لرجل الأمن جبران في الحادثة الإرهابية في حي الياسمين بالرياض.
وأعاد الدكتور محمد السيد نائب مدير أكاديمية الحوار الوطني في مركز الملك عبدالعزيز للحوار الوطني، “الكرة” لملعب وسائل الإعلام وأنها جزء أساسي وشريك في تنشئة المواطن كرجل أول للأمن، وأنه يأتي قبلها دور الأسرة الأساسي ثم بقية مؤسسات التنشئة الأخرى كالمدرسة والمسجد. وقال الدكتور السيد: “لدينا في السعودية مشكلة كبيرة في المفاهيم، لذلك جدليتنا لا تتوقف حول الكثير من القضايا والأدوار والمهام التي يتوجب علينا القيام بها” وحذر السيد من قنوات التواصل الاجتماعي وأنها تختطف المواطن من مصادر المعلومات الموثوقة، مشيراً إلى دراسة قام بها أحد المراكز بالداخل كشفت أن بعض الشباب السعودي يتابع القرارات والمعلومات الرسمية من معرفات ومنصات غير معرفات ومنصات الجهات الرسمية، قائلا: كشف دراسة أقيمت في السعودية عن الشائعات أن ٨٣ ٪ يرون أن الشائعات تؤثر على حياتهم وقراراتهم وأثنى نائب مدير أكاديمية الحوار الوطني في مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني، على نجاح وزارة الداخلية في تعزيز مشاركة المواطن في التصدي للإرهاب ومحاربته، موضحاً بأن بيانات الداخلية المستمرة والمنظمة خلقت شعور اطمئنان وثقة في قدرات الداخلية في تحقيق الأمن للمواطن وحمايته.
وكان للحضور النوعي الذي حظيت به الندوة مشاركات مؤثرة في الموضوع من خلال تعليقاتهم التي كان أبرزها من الدكتور محمد الصبيحي أستاذ الإعلام بكلية الإعلام والاتصال بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية حيث أشار إلى أن وزارة الداخلية هي من تملك المعلومات ومتى ما سرعت إيصالها لوسائل الإعلام ونشرتها تكون حدت من انتشار الشائعات، متأسفا لحال الإعلام السعودي وأنه لم يتمكن من توظيف المتغيرات التي طرأت على البيئة الاتصالية الجديدة.
أما اللواء الركن الدكتور علي الرويلي الخبير الأمني بجامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، فاعتبر أن وسائل الإعلام لدينا تعد بالآلاف وأن كل مواطن هو إعلامي من خلال وسائل التواصل الاجتماعي، مطالبا باستثمار هذا الكم الهائل من المنصات الإعلامية ونشر التوعية ومفهوم المشاركة لكي يتحول كل مواطن رجل أمن من خلال قنوات التواصل الاجتماعي. وعاتب الدكتور الرويلي القنوات التلفزيونية السعودية وأنها فاقدة للتأثير وأنه عند استضافتها له لا يأتيه أي تفاعل وعلى عكسها عندما يشارك في قنوات تجارية إخبارية يتلقى تفاعلات كثيرة ومتنوعة ما يعطيه مؤشرات على حجم المتابعة والتأثير وأشار الرويلي إلى عربي يملك حساباً على “السناب” يتابعه آلاف السعوديين، وقد باعهم ـ على حد تعبيره ـ إلى شركات أمريكية بدولار لكل متابع فيما باعهم للشركات البريطانية بجنيه لكل متابع، محذرا من التهاون بقنوات التواصل الاجتماعي وعدم مراقبتها وضبطها وتوجيهها بالتثقيف والمشاركة، وأن لا يكون الجمهور ضحية في يد مصادر مجهولة وعززت الكاتبة فوزية الحربي عضو ملتقى (إعلاميون) في مداخلتها، دور الإعلام بأن وسائل الإعلام تملك عصا سحرية والسعوديين من الأكثر استخداماً لقنوات التواصل الاجتماعية على مستوى العالم، فيما تساءل الكاتب مسلم الرمالي عضو ملتقى (إعلاميون) عن دور الجامعات في خلق الدور التكاملي بين مؤسسات المجتمع والمخرجات، فهي يجب أن تقود هذا التكامل الذي ينهض بمجتمعنا وأمننا وأكد حمد الدوسري – الباحث الأكاديمي – في مداخلته بالندوة أن هناك مورد رابع للتربية وهو التربية المعلوماتية الذي يُشكل الفكر ويكّون الأجيال الجديدة.
واختتم صالح المرزوق الندوة، بأنه أجمع المتحدثون أن الأمن ركن أساسي في حياة أي مجتمع ولذلك واجب على الجميع المشاركة فيه ودعمه كل بحسب دوره وجهده وموقعه.
يُذكر أن الندوة بدأت بكلمة لملتقى إعلاميي الرياض “إعلاميون” ألقاها نائب رئيس الملتقى الدكتور علي الضميان، الذي اعتبر أن إقامة هذه الندوة منطلقة من استشعار الملتقى بكل أعضائه أهمية المشاركة في الأمن الإعلامي والتوعية اللازمة في هذه المرحلة الحيوية وتعزيز المفهوم الذي أطلقه سمو الأمير نايف بن عبد العزيز ـ رحمه الله، في أن الأمن ينطلق من المواطن وأنه رجله الأول. وأضاف: أن الندوة تأتي ثمرة تعاون مجتمعي ومهني بين “إعلاميون” والجامعة العربية المفتوحة في الرياض من منطلق مسؤوليتهما المجتمعية المشتركة كما ألقى المشرف العام على العلاقات العامة والإعلام في الجامعة العربية المفتوحة في السعودية عبد الرحمن باوزير كلمة رحب فيها بالضيوف وقال: هذه الندوة تأتي ثمرة للمسؤولية المشتركة بين الجامعة و”إعلاميون”، ولا شك أن الجامعات منابر علم ومعلومات أمن أيضا في خدمة المجتمع، وعليها واجبات وطنية تدفعها لتقديم مثل هذه المبادرات الوطنية.